الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
220
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
أكل صيد البحر ولكنّها منبهة على عدم تحريمه في حال الإحرام . وقوله : وَطَعامُهُ عطف على صَيْدُ الْبَحْرِ . والضمير عائد إلى الْبَحْرِ ، أي وطعام البحر ، وعطفه اقتضى مغايرته للصيد . والمعنى : والتقاط طعامه أو وإمساك طعامه . وقد اختلف في المراد من « طعامه » . والذي روي عن جلّة الصحابة - رضي اللّه عنهم - : أنّ طعام البحر هو ما طفا عليه من ميتة إذا لم يكن سبب موته إمساك الصائد له . ومن العلماء من نقل عنه في تفسير طعام البحر غير هذا ممّا لا يلائم سياق الآية . وهؤلاء هم الذين حرّموا أكل ما يخرجه البحر ميّتا ، ويردّ قولهم ما ثبت عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم أنّه قال في البحر : « هو الطهور ماؤه الحلّ ميتته » . و حديث جابر في الحوت المسمّى العنبر ، حين وجدوه ميّتا ، وهم في غزوة ، وأكلوا منه ، وأخبروا رسول اللّه ، وأكل منه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم . وانتصب مَتاعاً على الحال . والمتاع : ما يتمتّع به . والتمتّع : انتفاع بما يلذّ ويسرّ . والخطاب في قوله : مَتاعاً لَكُمْ للمخاطبين بقوله : أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ باعتبار كونهم متناولين الصيد ، أي متاعا للصائدين وللسيّارة . والسيّارة : الجماعة السائرة في الأرض للسفر والتجارة ، مؤنث سيّار ، والتأنيث باعتبار الجماعة . قال تعالى : وَجاءَتْ سَيَّارَةٌ [ يوسف : 19 ] . والمعنى أحلّ لكم صيد البحر تتمتّعون بأكله ويتمتّع به المسافرون ، أي تبيعونه لمن يتّجرون ويجلبونه إلى الأمصار . وقوله : وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً زيادة تأكيد لتحريم الصيد ، تصريحا بمفهوم قوله لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ [ المائدة : 95 ] ، ولبيان أنّ مدّة التحريم مدّة كونهم حرما ، أي محرمين أو مارّين بحرم مكة . وهذا إيماء لتقليل مدّة التحريم استئناسا بتخفيف ، وإيماء إلى نعمة اقتصار تحريمه على تلك المدّة ، ولو شاء اللّه لحرّمه أبدا . وفي « الموطأ » : أنّ عائشة قالت لعروة بن الزبير : يا بن أختي إنّما هي عشر ليال ( أي مدّة الإحرام ) فإن تخلّج في نفسك شيء فدعه . تعني أكل لحم الصيد . وذيّل ذلك بقوله : وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ . وفي إجراء الوصف بالموصول وتلك الصلة تذكير بأنّ المرجع إلى اللّه ليعدّ الناس ما استطاعوا من الطاعة لذلك اللقاء . والحشر : جمع الناس في مكان . والصيد مراد به المصيد ، كما تقدّم . والتحريم متعلّق بقتله لقوله قبله لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ [ المائدة : 95 ] فلا يقتضي قوله : وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً تحريم أكل صيد البرّ على المحرم إذا